أمبروز، نائب رئيس الجمعية الخيرية لدعم مرضى الليمفوما في أيرلندا، تم تشخيصه بمرض ليمفوما اللاهودجكين في سنة 1983. وهو هنا يحكي قصته وخبراته مع العلاج.
أمبروز، نائب رئيس الجمعية الخيرية لدعم مرضى الليمفوما في أيرلندا، تم تشخيصه بمرض ليمفوما اللاهودجكين في سنة 1983. وهو هنا يحكي قصته وخبراته مع العلاج.
"في يوليو 1983، كنت أبلغ من العمر 26 سنة، وكنت أعمل مشترياً لشركة تجزئة. كنت ألخص قصة أي إنسان بدون أدنى اهتمام. لم أكن أدرك ماذا ينتظرني. كنت متزوجاً، وأب لطفل صغير. من خلال بضعة تحركات وترقيات، بعد أن كنت مديراً تحت التدريب في متجر، صرت في دائرة الأضواء في المكتب الرئيسي، وصرت أجوب العالم كله لشراء البضائع. (لم يكن هذا هو كل شيء).
"كنت في إحدى هذه الرحلات، حين ظهرت أولى أعراض مرضي. أثناء وجودي في تايوان كجزء من الرحلة، قضيت ليلة سيئة في الفندق. وبالرجوع إلى الوراء، ربما كانت الأسابيع القليلة الأخيرة سيئة، ولكني كنت مستمراً ولم ألاحظ أي شيء بالتحديد غير طبيعي. في هذه الليلة لم أتمكن من النوم. كنت أتقلب في فراشي، وأتصبب عرقاً، وأعاني من ألم شديد في ظهري، ولم أستطع التخلص منه في أي وضع من الأوضاع. انتظرت حتى "ساعة معقولة" وفي الساعة 6 صباحاً، اتصلت باستقبال الفندق لطلب الطبيب. منذ عدة سنوات كنت قد أصبت بالتهاب رئوي مع قليل من الالتهاب البلوري. وكانت الأعراض مشابهة، لذلك لم أقلق كثيراً. عندما جاء الطبيب، قال إن التشخيص "ألم أعصاب" – ألم بالظهر – ووصف لي نوعين من الأقراص. جاء وكيل شركتنا وأخذني من الفندق، ولم يفعل شيئاً لطمأنتي عندما قال لي ألا آخذ الأقراص، لأنه كان على الأرجح مشعوذاً!
"أكملت الأسبوع الثاني من رحلتي ورجعت إلى المنزل، وأنا لا أشعر بأي تحسُّن. بعد يومين ذهبت إلى طبيبي المحلي. كنت الآن أعاني من هذه الأنفلونزا/ الالتهاب الرئوي لمدة 3-4 أسابيع بدون أن تتراجع. وقد استمع الطبيب إلى صدري، وقاس نبضي وحرارتي، إلخ. كل شيء طبيعي، لا يوجد أي شيء واضح. ولكن لحسن الحظ، فإنه قرر أن يأخذ رأياً ثانياً. خلال بضعة أيام، قمت بعمل خزعة، والتي أدت نتائجها إلى دخولي المستشفى في الحال. قالوا لي أني أعاني من ليمفوما اللاهودجكين، ولم يكن هذا يعني لي أي شيء. لم يقل لي أحد أن هذا سرطان، ولم أكن أعرف ذلك، ولم أربط بين الاثنين إلا بعد مرور وقت طويل. كان قلقي ينحصر في أني سأضطر للحضور الأسبوع القادم للعلاج، فكم يوماً سأتغيّب عن العمل؟
"حدثت أشياء كثيرة بعد ذلك، وهي الآن مشوشة في ذهني. بعضها قد اجتزته، وبعضها الآخر نسيته بالزمن. ربما هو تقدم السن؟ في 28 يوليو 1983، تم تشخيصي بمرض ليمفوما اللاهودجكين (ليمفوما ليمفاوية ضعيفة التفريق في منصف الصدر). بدأت ب العلاج الكيميائي. لم تكن عندي أي فكرة حقيقية عن مدى ليمفوما اللاهودجكين (NHL) عندي، ولكن الأطباء كانوا على ما يبدو واثقين من أنهم قادرون على علاجي. وقد صدقتهم، ووثقت فيهم. فلقد كانوا خبراء. وأظن أن اعتقادي هذا، بأن هذه المشكلة قصيرة الأجل، جعلني في حال أفضل.
"كان العلاج عبارة عن ست دورات علاجية، بدأت الأولى في 17 أغسطس 1983 والأخيرة في نوفمبر من نفس السنة. بانتهاء هذه الفترة، كنت في هدأة وأشعر بتحسّن، ولكن الشهور السابقة كانت صدمة حقيقية! كل شخص يختلف عن الآخر في رد فعله تجاه العلاج الكيميائي، ابتداء من الذين يأخذونه مع ممارسة حياتهم بشكل طبيعي إلى حد كبير، فيأخذون العلاج في العيادة الخارجية ويرجعون إلى المنزل فلا يشعرون إلا بشيء من التوعك حتى اليوم التالي، ومروراً بالحالات المتوسطة التي تُصاب ببعض القيء، وحتى الحالات القصوى. بالنسبة لي، فإني تلقيت أول دورة علاجية يوم خميس، وكنت لا أزال أترنح بشدة حتى يوم السبت. خلال هذه المدة، كنت لا أدري ما الذي يدور في الغرفة. علامة الحياة الوحيدة على مدى يومين كانت التقيؤ العنيف. طوال مدة علاجي، كانت قدرتي على تحمل العلاج الكيميائي سيئة للغاية؛ لم أتمكن أبداً من تلقي العلاج في العيادة الخارجية، مثلما فعل الكثيرون من أقراني. كان من المستحيل أن أرجع إلى البيت. كنت في كثير من الأحيان أطلب حوضاً للتقيؤ أثناء حقن العلاج الكيميائي.
"الشهور القليلة التالية، كانت سلسلة من العلاج الكيميائي، و الستيرويدات، ونوبات من الطاقة والتعب. كنت منفوخاً بسبب الستيرويدات، وكنت آكل مثل الفرس، وعندي طاقة كبيرة. بمجرد أن يزول مفعول الستيرويد، كنت أشعر بالإنهاك. قضيت أياماً كثيرة مستلقياً على الأريكة. لم تكن عندي قوة حتى للوصول إلى باب المنزل. كنت معتمداً تماماً على الآخرين. كان ابني في الرابعة من عمره فقط، ولحسن الحظ أنه لم يُدرك ما الذي يحدث. أما زوجتي فلقد أظهرت قوة لم تكن تظن أنها موجودة لديها. كانت تتحمل المسئولية الكاملة عن كل شيء، بالإضافة إلى السفر في أتوبيسين يومياً لزيارتي عندما كنت في المستشفى. لم يكن عندي أي ميل للقلق بخصوص الفواتير أو المشتريات. كانت زوجتي تهتم بالأمور المالية للأسرة. لم يكن عندي التركيز المطلوب للاهتمام بهذه الأشياء. لم أكن قادراً على التقاط القلم للتوقيع على الشيكات – وهو أحد الآثار الجانبية لعصير الأدغال. فقدان الإحساس في أطراف أصابعي، ألم في المفاصل، تغيرات مزاجية مرتبطة بالعلاج، وسقوط الشعر كله. لحسن الحظ، أن هذه كلها مجرد ذكريات بعيدة، والكثير منها لا أتذكره إلا عندما أتحدث مع المرضى الحاليين.
"عانيت آلاماً كثيرة بسبب العلاج الكيميائي. كان الورم الموجود في صدري قد أزاح أعضاء كثيرة من مكانها. ومع تناقص الورم، بدأت هذه الأعضاء تعود إلى مكانها. كان ذلك مؤلماً حقاً! بعد الدورة الثالثة من العلاج الكيميائي، كنت أشعر أني مثل ... حسناً أنتم تعرفون. قضيت ثلاثة أشهر في القيء، والألم، وسقوط الشعر، وفقدان الإحساس، كما أن حاسة التذوق لم تكن كالمعتاد. ثم استدعاني اثنين من الأطباء الشباب إلى مكتبهم، وأروني أشعة إكس قبل وبعد العلاج. البرتقالة الكبيرة أصبحت الآن في حجم كرة الجولف الصغيرة. كانوا مسرورين جداً من أجلي، ولكني لم أكن أشاركهم فرحتهم. فإذا كان العلاج ناجحاً هكذا، لماذا أشعر بكل هذا التعب؟ لقد سمعنا كلنا أن الأطباء يقسمون قسم أبقراط. حسناً، هذا ما قاله أبقراط حوالي سنة 400 ق.م.: "في الأمراض الشديدة، يلزم استخدام أدوية شديدة". يبدو أنهم قد أقسموا بذلك أيضاً.
"انتهت السنة، وانتهى علاجي. وتباعدت زيارات المتابعة من مرة كل أسبوع إلى مرة كل شهر، وفي الربيع رجعت إلى عملي (رائع، ألست كذلك؟). عند هذه المرحلة، كنت أريد أن أعود بسرعة – أعتقد أني لم أكن مُدركاً المدى الكامل لما مررت به. كان ينبغي أيضاً أن أثبت لنفسي، وللآخرين، أني لا أزال طبيعياً، ولا أزال قادراً على العمل. أيضاً شعرت بالتزام تجاه رؤسائي في العمل. لقد تعاملوا معي بطريقة طيبة جداً، وساندوني بشدة عندما كنت مريضاً، ولم أكن أريد أن أسيء استغلال ذلك. كنت أريد أن أرجع إلى العمل بأسرع ما يمكن.
"بعد توقف العلاج الكيميائي، بدأت أتقوى، ولكن استمرت المخاوف والشكوك من جهة أي ألم أو تعب أو سعال أو عطس. ولا زالت زوجتي تقلق من هذه الأشياء بعد مرور عدة سنوات. كثيراً ما ذهبت إلى المستشفى في مواعيد المتابعة، أو فيما بينها، قلقاً من جهة أي عدوى طفيفة. في هذه الظروف يكون المرء هو أسوأ خبير لنفسه. أذكر في إحدى المرات، بينما كنت ذاهباً إلى زيارة المتابعة، كنت مقتنعاً أني قد انتكست. كان الإجراء الروتيني هو أن أذهب في الصباح، ويأخذون مني عينة الدم، ثم الفحص بأشعة إكس، ثم أرجع بعد الغذاء لمقابلة الطبيب في العيادة. وكانوا قد أعطوني أشعة إكس لأريها للطبيب في العيادة. نظرت في صورة الأشعة، ورأيت الظل الذي كنت أخشاه. كنت مضطرباً جداً على الغذاء، وخرجت في جولة لكي أنصرف عن التفكير. جئت إلى كنيسة صغيرة، وجلست في المغارة. بكيت وتلوت صلاة – ليست الفورتيه. هذا ما حدث. لم يكن ممكناً أن أمرض مرة أخرى. سوف آخذ فرصتي. رجعت إلى العيادة، حيث طمأنوني بأن تحاليل الدم وصور الأشعة كانت على ما يرام. كانت مجرد أنفلونزا. المعرفة القليلة شيء خطير. أذكر أني بكيت على مخاوف وهمية في مناسبة أخرى. كان ذلك قبل الكريسماس بفترة قصيرة. كنت جالساً على الكرسي الهزاز، وابني على ركبتي. لم يكن يعرف أني أبكي لأني لن أرى الكريسماس، ولن أراه وهو يكبر. كنت مخطئاً هذه المرة أيضاً.
"في شهر يونيو من نفس السنة، 1984، رجعت إلى المستشفى لأني أصبت مرة أخرى بالأنفلونزا. في هذه المرة قالت تحاليل الدم وصور الأشعة والأطباء شيئاً مختلفاً. لقد حدث لي انتكاس. حاولت أن أقنعهم بأن هذا غير مؤكد، وأنه من الممكن استخدام المضادات الحيوية لمدة أسبوع لعلاج هذه الوعكة. رجعت إلى عملي لأخبرهم بأني سأحصل مرة أخرى على أجازة مرضية. وانفجرت في البكاء. أعتقد أنهم فهموا أنهم لن يروني مرة أخرى. وللأمانة فلقد اعتقدت أنا أيضاً كذلك. بعد أسبوع، بدأت العلاج الكيميائي لمدة ثلاثة أشهر. لا شعر، ولا شهية، ولا طاقة. ثم هدأة مرة أخرى. بعد ذلك تلقيت دواءً آخر لمدة ثلاثة أشهر كتدعيم للعلاج الكيميائي. بحلول شهر ديسمبر، كنت بخير مرة أخرى.
"كان الاستشاريون يلمّحون إلى عملية زرع ذاتي [رابط مع زرع ذاتي] للنخاع العظمي (ABMT) – وهو ما لم أكن أعرف عنه شيئاً. كان الزرع سيستخدم نخاعي العظمي الشخصي، فلم أكن محتاجاً إلى متبرع. فالنظرية كانت أن مرض ليمفوما اللاهودجكين (NHL) كان عدوانياً جداً عندي، وقد حدث لي انتكاس سريع، وأن احتمالات الانتكاس مرتفعة، وأي واحدة من هذه الانتكاسات قد يصعب عكسها. أظهرت كل فحوصات البذل القطني وكل فحوصات النخاع العظمي أن نخاعي العظمي بحالة جيدة. لقد كان باقي كياني هو العليل.
"في يناير 1985، بدأت 11 جلسة علاج إشعاعي. وقد ساعد ذلك في إبقاء السرطان تحت السيطرة، ولكني للأسف لم أكن أفعل أي شيء على الإطلاق. في فبراير ومارس، حدثت لي مشاكل في الجيوب الأنفية، وأجريت عملية غسيل للجيوب. شيء ممتع مثل بقية الأشياء. أي إنسان قد أجرى هذه العملية يعرف أن صوت الكسر ليس ممتعاً بالمرة. في إحدى المرات دخلت في صدمة، ودفعوني على الكرسي ذي العجلات إلى سريري على مسافة 20 قدم! يكفي ذلك.
"على أي حال، كان ذلك في سنة 1985. لم يوجد في ذلك الوقت كتيبات، ولا مجموعات دعم، ولا إنترنت. كان مستشفى سان جيمس في دبلن، أيرلندا، قد تابع حالتي على مدى السنتين الأخيرتين، والآن هم يعتقدون أن عملية الزرع الذاتي للنخاع العظمي (ABMT) هي الاختيار الأفضل لي. كانوا قد أجروا حوالي 10 عمليات زرع إسوي ولكنهم لم يجروا أي عملية زرع ذاتي. لم أسأل كيف كان حال الـ 10. وقد وضعوا أمامي اختيار إجراء عملية ABMT في المملكة المتحدة، حيث كانوا قد أجروا هذه العملية عدة مرات. مع نهاية اليوم كان ينبغي أن أثق في فريق الأطباء الذي كان قد قطع معي كل هذا الشوط. كنت أعرفهم، وكانوا يعرفونني. في عملية الزرع الذاتي، كانت المخاطرة الأكبر التي تواجهني هي الإصابة بالعدوى أثناء تعطيل جهازي المناعي، ولكنهم كانوا واثقين أنهم سوف يسيطرون على ذلك. في 1 أبريل 1985، أجروا لي عملية جمع للنخاع العظمي، ومع أنها كانت مؤلمة إلى حد ما في مكان العملية، إلا أني تمكنت بعد يومين أن أمشي/ أعرج في كل مكان. بعد ستة أسابيع أخرى كنت قد اعتدت على الحياة الطبيعية مرة أخرى. كان أكلي قد رجع إلى الطبيعي، وكان شعر رأسي قد نما. ولكنكم تعرفون ما الذي يحدث بمجرد أن يشعر الإنسان أنه في أمان ...
"في 17 مايو 1985، بدأت العلاج الكيميائي بجرعة مرتفعة ، وتم عمل الزرع الذاتي في 27 مايو 1985. قضيت عيد ميلادي الثامن والعشرون في العزل. لم أهتم بذلك. أعتقد أني لم أعرف. كانت استجابتي للعلاج الكيميائي متوقعة. قضيت الكثير من الوقت نائماً، لا أريد أن أتحدث ولا أن أشاهد التليفزيون. كنت أتلقى الطعام والفيتامينات كلها بالحقن في الوريد. قرب النهاية، كنت قد سئمت الفحوصات المستمرة، والمضمضة، ومشاكل الإمعاء. في المرات السابقة، لم أكن قد لاحظت شيئاً. وعلى خلاف ما كنت أريده، فإن فريق الأطباء في المستشفى أرادوا أن أبدأ أتناول الطعام. كان رأيهم في ذلك أني إذا بدأت آكل فإني سأتقوى، وأتحسّن، وأتمكن من الذهاب إلى المنزل. أما رأيي أنا، فهو إني إذا أكلت سوف أتقيأ. وفي النهاية استطعت تناول بعض الأطعمة الخفيفة – بطاطس مهروسة، بودنج الأرز، مخفوق اللبن. كانت هذه الأطعمة بمثابة إنقاذ لي.
"في 12 يونيو، خرجت من العزل. في إحدى المرات أفزع الطبيب زوجتي. فعندما جاءت لزيارتي، فتح باب وحدة العزل بقوة وهو يستشيط غضباً ليقول لي أني ينبغي أن آكل أكثر. كل ما فكرت فيه زوجتي هو أن الباب يجب أن يظل مُغلقاً لمنع دخول الجراثيم! حالياً لا يتم حتى عزل المرضى الذين تُجرَى لهم عملية زرع ذاتي! طمأنني الطبيب الاستشاري أن الزرع قد نجح "وعلينا الآن الحفاظ عليه". ورغم أن ذلك لم يكن صحيحاً تماماً، إلا أنه قد أظهر أننا قد اقتربنا من الهدف. تركت وحدة العزل وتمشيت في الممشى نحو مقعد صغير خارج الغرفة. كان ابني جالساً هناك. لم أكن قد رأيته لبضعة أسابيع. لم يكن مسموحاً للأطفال بالدخول. كنت منفوخاً، وكان شعر رأسي قد سقط، وكنت مرتدياً ملابس المستشفى. جلست بجواره وبدأت أتحدث معه، ولكنه لم يعرفني.
"في الأسبوع التالي وجد الأطباء أن كل الفحوصات تشير إلى أننا نتحرك في الاتجاه الصحيح. وفي 19 يونيو 1985، سمحوا لي بالخروج من المستشفى مزوداً بقائمة طويلة من التعليمات. وطلبوا أن يروني قريباً، قريباً جداً وبشكل متكرر جداً.
"بقية الأشياء، كما يقولون، أصبحت ماضي. وأقول لأي إنسان مر بهذه الأشياء في زمن حديث، أن الفحوصات تبدأ تتباعد، والشهية تعود، وشعر الرأس ينمو، والإحساس في أصابع اليدين والقدمين يرجع مرة أخرى. ومثل أي شيء آخر في الحياة، تبدأ التجربة تتلاشى من الذاكرة، ويُعاد تنظيم الأولويات، لتصبح تقريباً هي نفس المشاغل اليومية التي لدى كل إنسان آخر. وقد عرفت أن عملية الزرع الذاتي كانت بالنسبة لي أسهل مما لو أجريت عملية زرع إسوي. على الأقل لا توجد فرصة لحدوث مرض مهاجمة الطُعم للمتلقي! لقد أوقفت مواعيد الفحص السنوية، ولم أعد أتلقى أي علاج. لا أستطيع أن أقول إني قد صرت "طبيعياً"، لأنه لا يمكن أن يُصاب الإنسان بالسرطان مرتين، ويُجري زرع للنخاع العظمي، بدون أن يؤثر ذلك على مظهره. ولكن الحياة أقصر من أن يقلق الإنسان على أشياء صغيرة. أحاول أن أكون أكثر تحمُّلاً (رغم أني لا زلت أجد صعوبة في تحمُّل الحمقى) وأكثر تفهُّماً. فلا يستطيع الإنسان أن يعرف ما الذي يجتاز فيه الآخرون في حياتهم.
"في سنة 1995، سمعت في الراديو عن مسيرة 100 كم في لابلاند لصالح صندوق تمويل زرع النخاع العظمي لمرضى اللوكيميا. جاء ذلك في الوقت المناسب لي. كنت أريد أن أرد بعض الجميل. بدأت في الجمع، وبكثير من الدعم، سرعان ما تخطينا الهدف المطلوب. أنهيت مسيرة الـ 100 كم. إذا لم تكن قد شاركت في واحدة، فهي خبرة عظيمة تتعلم من خلالها التضامن والتواضع. سوف تلتقي بأشخاص رائعين، كل واحد منهم عنده قصة يحكيها، وسبب لوجوده هناك، وشيء قد لمسه.
"بعد مرور عام، تلقيت خطاباً يخبرني عن مجموعة لدعم الأشخاص الذين أجروا عملية زرع النخاع العظمي. كان الأوان قد فات بالنسبة لي، لم أشعر أني ما زلت في حاجة إليهم، ولكن ربما أستطيع أن أساعد غيري. فأنا لست حالة فريدة من نوعها. كل سنة يتعرض الكثيرون لإجراء عملية زرع النخاع العظمي، وبذلك يفعلون خيراً، ولكن معظم الناس في الشارع لا يمرون بمثل هذه التجربة. لذلك فمن الجيد أن نتحدث.
"أقوم حالياً بدور فعال في مجموعة الدعم، وأشارك في الرسالة الأخبارية والموقع على الإنترنت، ولو اقتصر الأمر على ذلك، فإني أحاول أن أكون متواجداً لتشجيع أولئك الذين في بداية هذا الطريق. لقد اشتريت الفانلة".
شارك بقصّتك مع الآخرين على lymphoma-net.org
|